ابن أبي شريف المقدسي
164
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
البقرة : 152 ) وغيره من الآيات والأحاديث ( لخاف من انفتح « 1 » لعقله عظمة كبريائه وجلاله من أن يسميه ) تعالى بلسانه ( إذ يرى أنه أحقر من ذلك ) أي : من أن يجري على لسانه ذكر الكبير المتعال ؛ لأنه يشهد بعين بصيرته أن من آثار القدرة ملكوت السماوات والأرض وما فيهما من أنواع العالم الذي هو فرد حقير من جملة أفراد بعضها ، وأنه لا يعرف حقيقة نفسه تفصيلا ولا ما أودع فيه من القوى ، فكيف يدرك ذلك من غيره مما لم يشاهده من بديع المخلوقات مع علمه بتمام الاقتدار الإلهي على ما هو أعظم مما وجد من السماوات والأرض وما بينهما ، ( فسبحان من تقرب إلى خلقه بفضله وعظيم بره ) تقرّب لطف وأفضال ، وجلّ عن تقرب الحلول والانتقال . ( فإذا لم يوجب العقل ذلك ) أي : ما تقدم ذكره عن أبي منصور وعامة مشايخ سمرقند من الإيمان وما ذكر معه ( لم يبق ) دليل على الحكم للأفعال من ذلك وغيره ( إلا السمع ) أي : المسموع المنقول عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ( وقد ) قام دليل السمع على عدم تعلق الحكم بالعباد قبل البعثة ( قال اللّه تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( سورة الإسراء : 15 ) ) وجه الاستدلال أنه ( نفى العذاب مطلقا ) في الدنيا والآخرة ، وذلك نفي للازم الوجوب والحرمة ، وانتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم ، ولمّا تشبّث بعض المخالفين بحمل العذاب في الآية على عذاب الدنيا نبّه على دفعه بأنه تخصيص بغير دليل « 2 » بقوله : ( فتخصيصه ) أي : العذاب في الآية ( بعذاب الدنيا خلاف اللفظ ) أي : خلاف مقتضى إطلاق لفظ العذاب ( بلا موجب ) يقتضي التخصيص ، بل قد ورد السمع دالا على إرادة عذاب الآخرة من الإطلاق ( و ) ذلك أنه ( قال سبحانه في شأن الكفرة كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( سورة الملك : 8 ) وفي ) آية ( أخرى : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ( سورة الأنعام : 130 ) ) فإن الآيتين ونحوهما ترشد إلى أن الأمر الذي قامت به الحجة عليهم واستحقوا عذاب الآخرة بعصيانهم بعده هو إرسال الرسل لا إدراك عقولهم .
--> ( 1 ) في ( ط ) : القبح . ( 2 ) التخصيص : عرفه الشوكاني بقوله : هو إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم على تقدير عدم المخصص ، وشرح الجملة الأخيرة : بأن التخصيص إنما يكون تخصيصا بدليل عام لا قصر العام بدليله ، انظر : إرشاد الفحول ، ص 142 ، فحمل الآية على عذاب الدنيا لا يصلح دليلا مخصّصا .